أحمد بن محمد القسطلاني
272
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الركوع ( فقام قيامًا طويلاً ) نحوًا من قراءة آل عمران ( وهو دون القيام الأول ، ثم ركع ركوعًا طويلاً ) نحوًا من ثمانين آية ( وهو دون الركوع الأول ، ثم سجد ) أي : سجدتين ( ثم قام قيامًا طويلاً ) نحوًا من النساء ( وهو دون القيام الأول ، ثم ركع ركوعًا طويلاً ) نحوًا من سبعين آية ( وهو دون الركوع الأول ، ثم رفع ، فقام قيامًا طويلاً ) نحوًا من المائدة ( وهو دون القيام الأول ، ثم ركع ركوعًا طويلاً ) نحوًا من خمسين آية ( وهو دون الركوع الأول ، ثم سجد ) سجدتين ( ثم انصرف ) من الصلاة ( وقد تجلت الشمس ) أي : بين جلوسه في التشهد والسلام . كما دل عليه قوله في الباب السابق : ثم جلس ، ثم جلي عن الشمس . ( قال ) بالفاء ، وللأصيلي : وقال : " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ( إن الشمس والقمر ) كسوفهما ( آيتان من آيات الله لا يخسفان ) بفتح الياء وسكون الخاء وكسر السين ( لموت أحد ، ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك ، فاذكروا الله قالوا : يا رسول الله ! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك ) كذا للأكثر : تناولت بصيغة الماضي ، وللكشميهني : تناول ، بحذف إحدى التاءين تخفيفًا ، وضم اللام بالخطاب ، وللمستملي : تتناول ، بإثباتها ( ثم رأيناك كعكعت ) بالكافين المفتوحتين والممهملتين الساكنتين ، وللكشميهني : تكعكعت ، بزيادة مثناة فوقية أوّله ، أي : تأخرت ، أو تقهقرت . وقال أبو عبيدة : كعكعته فتكعكع ، وهو يدل على : أن كعكع متعد ، وتكعكع لازم . وكعكع يقتضي مفعولاً ، أي : رأيناك كعكعت نفسك . ولمسلم رأيناك كففت نفسك من الكف وهو المنع . ( قال ) ولأبي ذر في نسخة : ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إني رأيت الجنة ) أي : رؤيا عين كشف له عنها ، فرآها على حقيقتها ، وطويت المسافة بينهما كبيت المقدس حين وصفه لقريش . وفي حديث أسماء الماضي في أوائل صفة الصلاة ما يشهد له ، حيث قال فيه : دانت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ، أو مثلت له في الحائط كانطباع الصور في المرآة ، فرأى جميع ما فيها . وفي حديث أنس الآتي ، إن شاء الله تعالى ، في التوحيد ، ما يشهد له حيث قال فيه : عرضت عليّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط ، وأنا أصلي . وفي رواية : لقد مثلت ، ولمسلم : صوّرت ، ولا يقال الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة لأن ذلك شرط عادي فيجوز أن تنخرق العادة خصوصًا له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( فتناولت ) أي : في حال قيامه الثاني من الركعة الثانية ، كما رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن زيد بن أسلم ( عنقودًا ) منها أي : من الجنة : أي : وضعت يدي عليه بحيث كنت قادرًا على تحويله ، لكن لم يقدّر لي قطفه ( ولو أصبته ) أي : لو تمكنت من قطفه . في حديث عقبة بن عامر ، عند ابن خزيمة ، ما يشهد لهذا التأويل ، حيث قال فيه : أهوى بيده ليتناول شيئًا ( لأكلتم منه ) أي : من العنقود ( ما بقيت الدنيا ) . وجه ذلك أنه يخلق الله تعالى مكان حبة تنقطف حبة أخرى ، كما هو المروي في خواص ثمر الجنة ، والخطاب عام في كل جماعة يتأتى مهم السماع ، والأكل إلى يوم القيامة لقوله : ما بقيت الدنيا . وسبب تركه ، عليه الصلاة والسلام ، تناول العنقود ، قال ابن بطال : لأنه من طعام الجنة ، وهو لا يفنى والدنيا فانية ولا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى . وقال صاحب المظهر : لأنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب ، فيخشى أن يقع رفع التوبة ، قال تعالى : { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ } [ الأنعام : 158 ] وقال غيره : لأن الجنة جزاء الأعمال ، والجزاء لا يقع إلا في الآخرة . ( ورأيت النار ) بضم الهمزة وكسر الراء ، مبنيًا للمفعول ، وأقيم المفعول الذي هو الرائي في الحقيقة مقام الفاعل ، والنار نصب مفعول ثانٍ لأن أريت من الإراءة ، وهو يقتضي مفعولين ، ولغير أبي ذر كما في الفتح : ورأيت بتقديم الراء على الهمزة مفتوحتين . وكانت رؤيته النار قبل رؤيته للجنة ، كما يدل له رواية عبد الرزاق حيث قال فيها : عرضت على النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النار ، فتأخر عن مصلاه حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضًا ، وإذ رجع عرضت عليه الجنة ، فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه . ويؤيده حديث مسلم ، حيث قال فيه : قد جيء بالنار ، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني